شخصيات وطنيةشعر
أخر الأخبار

# قراءة شعر العرب بما ثبت من حال العرب # : _

      تركي الغنامي - شاعر وناقد أدبي سعودي     

– عضو لجنة التحكيم في مسابقة ” فرسان القصيد “
– يعد الأميز في نقد الشعر – والأنموذج الذي يحتذى به في المشهد الشعبي في وقتنا المعاصر ..

قراءة بيئية اجتماعية لقصيدة: «وطاوي ثلاث …» المنسوبة للحطيئة :
  الولاء والانتماء 
– إنتحال الشعر من أكبر قضايا الشعر الجاهلي التي دارت حولها المساجلات وألفت فيها الكتب وتكسرت فيها النصال على النصال منذ أن نشر طه حسين كتابه “في الشعر الجاهلي” ثم ما تبع ذلك من كتب ومقالات ورسائل علمية، وقد تكلم في رد هذه التهمة عن الشعر الجاهلي علماء لهم باع مديد ورؤية دقيقة وغيرة على إرث الأمة وتاريخها، ونافحوا عن صحة الشعر الجاهلي بحجج دامغة وبراهين متنوعة ليقينهم أن التشكيك في الشعر الجاهلي هو المدخل للعبث في نصوص الوحيين التي يرجع العلماء في تفسيرها إلى لغة العرب وطرائقهم في الكلام التي حفظ الشعر الجاهلي أكثرها.
ولست هنا عارضا حجج العلماء وبراهينهم ولا متحدثا عنها؛ فقد كفاني الزمن ذلك وأمات الله هذه الفتنة ولما تَثْغَر ونعاها أهلها في صباها وذلك بجهود أولئك العلماء المباركين.
ولعل أبرز من استوقفني حديثه ورؤيته لهذه القضية أبو فهر الشيخ محمود محمد شاكر الذي يرى أن أكبر أدلة صحة الشعر الجاهلي هو الشعر الجاهلي نفسه؛ لأنه لا يحتاج إلى شيء من خارجه لإثبات هذه الصحة؛ فبيان هذا الشعر لا يقارعه ولا يدانيه بيان بشري على الإطلاق ولا يعلوه إلا بيان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وليس لأهل العصور المتأخرة قدرة على مضاهاته والنظم على منواله، وأفاض الشيخ في هذا إفاضة أذاب فيها روحه وصاغها من إحساسه العالي بهذا الشعر.
ولا شك عندي أن هذه الرؤية من أدق الرؤى وأصدقها وأعمقها في التعامل مع الشعر الجاهلي، إلا أنني رأيت أبا فهر جعل بيان الشعر الجاهلي هو أجلى براهين صحته وثبوته دون النظر لمعانيه ومضامينه التي هي عندي الطريق الأقرب إذا أحسنَّا التعامل معها، وذلك من خلال المعرفة الدقيقة والاطلاع الواسع على حياة العرب في جزيرتهم، وربط ذلك ببيئتهم وأنماط الحياة التي نبتوا فيها وأسهمت في تشكيل ذواتهم قبل شعرهم.
وبعبارة أخرى: ليس لنا سبيل إلى تذوق شعر العرب ونتاجهم الأدبي والفني ما لم نتذوق حقيقة حياتهمونغوص على دفائنها ونستنطق كل ما جاء عنهم لنعيش معهم بأرواحنا كآحادهم .
إن للعرب في جزيرتهم عادات توارثوها، وقيمًا رعوها وناضلوا دونها، شكلتها بيئتهم وواقعهم الذي نشؤوا
فيه، وفرضتها حياتهم التي عاشوها، فالبيئة الجَزَرِية أثرت تأثيرا بالغا في تشكيل شخصية العربي وفي تعبيره
عن هذه الشخصية وتصويرها، فكما أن أثرها واضح في شخصيته فهو في لغته أظهر وأوضح.
ولا أغالي إذا قلت: إن قوام لغة العرب متعلقٌ بالصحراء وما يتفرع عنها أو يتصل بها، فلغتهم بنت بيئتهم
الجزرية لا تنفك عنها، فإغفال البيئة عند معالجة نصوص ذلك العصر خلل وخطل يجعل النص عُرْضةً
للآراء والأهواء؛ لغياب المعيار الذي يُعرف به المراد، فالمعنى المعجمي وإن كان مُحتَملا ويصح من حيث
اللغة ولا يأباه السياق، إلا أنه قد لا يكون صحيحا لمخالفته واقعا لا يمكن تجاوزه ولاستحالة حدوث
مضمونه في ذلك العصر وتلك البيئة، فمراعاة معاني الألفاظ في سياقها الاجتماعي مطلب مُلِحٌّ لا غنى
لمن يتصدى لقراءة الشعر الجاهلي عنه .
وليتضح المقصد ويتجلى المراد فإننا سنطبق هذا المعيار البيئي والاجتماعي المفترض على قصيدة
اشتُهرت بين دارسي الشعر الجاهلي وبين نقاده في العصر الحديث، وهي قصيدة منسوبة للحطيئة أولها
(وطاوي ثلاثٍ عاصبِ البطن مُرْمِل).
وقد حظيَت هذه القصيدة بثناء عظيم من علماء وفضلاء وأدباء كثر ممتدحين قيَمها حينا وفنياتها أخرى،
وأسبقيتها في باب الشعر القصصي أحايين أخرى، ولم أجد مَن شكَّ في شيء من معانيها ومضامينها
ومخالفتها لما عُرف من حال العرب إلا الدكتور فواز اللعبون في مقال نشره على “تويتر” بعنوان “تمحيص
الفكر والنظر في أكل لحم البشر” بتاريخ ١٤١٤/٨/٢٤ وكان الموضع الوحيد الذي وقف معه د.
فواز فيما يتعلق بالمضمون هو ما أثبته في العنوان، أما باقي ملاحظاته على القصيدة فهي فنية ولغوية أو
متعلقة بتاريخ ظهور القصيدة، ومع سداد ملاحظاته وجدارتها بأن توضع في الحسبان إلا أن المضامين
والمعاني كافية عندي للشك بل وغلبة الظن التي تقارب اليقين أن هذه القصيدة لا تنتمي إلى الشعر
الجاهلي بل ولا الشعر الجزري والبدوي منه خاصة.
ولأن الصديق أبا عبدالعزيز قد طلب مني آنذاك إضافة ما أرى أنه فاته وأن أتوسع في الملاحظات 5 التي
تعمق الشك في صحة نسبة القصيدة للحطيئة فإني أقول وبالله التوفيق ومنه العون والسداد قال ناظم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى